تقارير

الغزيون يحبون الحياة أيضاً..!

غزة تحب الحياة أيضاً.. أن تطرأ غزة على سمعك فهذا يعني أنك بانتظار الحديث عن الأزمات والويلات والمصائب وصنوف العذاب والمحن والويلات، غير أنَّ العارف بغزة يدرك أنها تحب الحياة ما استطاعت إليها سبيلاً، وتتمرد على واقعها لترسم الحياة في كل يوم الف مرة.

ليس غريباً على غزة التي اتخذت من العنقاء (طائر الفينيق) رمزاً لها أن تنتفض على الاوجاع والويلات والدماء وتذهب بعائلاتها وشيبها وشبابها للاحتفال بالعام الميلادي الجديد 2019 حيثما أمكن في تلك المدينة التي تتجاوز مساحتها 365 كم.

واحتفل الغزيون باستقبال العام الميلادي الجديد في المناطق والميادين العامة التي أشهرها ميدان الجندي المجهول، وهناك من احتفل في بيته وأشعل الشمع لأطفاله، وآخر اصطحب عائلته لأحد المطاعم في المدينة المحاصرة وراح يفرج عنهم كروب المعاناة، حقاً إنهم يحبون الحياة ما استطاعوا إليها سبيلاً.

غزة التي تحب الحياة والفرح ويُراد لها أن تحب الموت والدماء والدمار تتوق لأن تحتضن ما تبقى من أمل لإعادة الروح لمن بترت أيديهم وأرجلهم، ولمن فقدوا أهلهم أو بيوتهم، غزة تحلم بالحرية والبحر الذي سيأتي بالنوارس مع الميناء الذي صار حلماً لكل مواطن يعيش أحلام الخروج من القفص، كما قال الكاتب يسري الغول في إحدى رائعاته.

واحتفلت غزة بالعام الميلادي الجديد كما احتفلت فيه كبرى عواصم العالم مع اختلاف في التفاصيل، احتفلت لتخلق لنفسها حيزاً من الفرح والحب والسعادة على طريق زوال كل كروب الحياة. أعدادٌ كبيرة من الغزيين احتفلوا مع عائلاتهم بقدوم العام الميلادي الجديد، وإذا ما سرت في منطقة الرمال واقتربت من النصب التذكاري “الجندي المجهول” سترى بأم عينيك الأطفال وهم يلهون ويرسمون ابتسامات عريضة على وجهوههم، وأب مولع بأطفاله فأخذ يُخرجُ ما في الجيب ويشتري لهم “البالون”، والحلوى، وأكياس من المسكرات، وإذا ما زجرته “المَدام” قال بكل ثقة “أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب .. خليهم يفرحوا”.

المواطن أحمد محمد (30 عاماً) خرج من بيته مع عائلته تجاه منطقة “السرايا” ليشاهد طقوس احتفالات مدينته الصامدة إلى جانب عائلته، كي يدخل الفرح على قلوبهم، علها تخرج جزءاً من الحسرات التي راكمتها سنوات المعاناة بفعل الانقسام البغيض والحصار والاحتلال الغاشم الذي يحيك لأهل تلك المدينة المكائد والحيل، علَّه يتخلص منها.

اما السيدة ريهام علي (54 عاماً) فخرجت هي وبناتها الأربعة، لتحيي أجواء استقبال العام الميلادي الجديد، مشيرةً إلى أنَّ الفرح بالنسبة لها يتمثل في رؤية الابتسامة العريضة على وجوه بناتها.

وعن طقوس استقبال العام الجديد عند السيدة علي فهي تتمثل في التسوق، ومشاهدة أجواء العام الجديد في المناطق الحيوية، متمنية أن يحمل العام الجديد 2019 كل الخير للفلسطينيين.

ليس ببعيد عن ريهام وقف محمود محمد (25 عاماً) مع أصدقائه يلتقط صور السيلفي، ويشارك مقاطع الفيديو عبر صفحاته الشخصية على شبكات التواصل الاجتماعي، موضحاً أن طقوسه في هذا اليوم تتمثل في التقاط الصور، واشعال الألعاب النارية، والتقاط صور السيلفي مع “الشلَّة”.

أجواء الفرح في استقبال العام الجديد لم تقتصر على الذهاب للميادين العامة، إذ سبقها وتبعها انتفاضة معايدة على شبكات التواصل الاجتماعي ورسائل الـ SMS  حيث تبادل الغزيون التهاني والتبريكات والأماني عبر شبكات التواصل الاجتماعي من خلال مشاركة الصور والفيديوهات الخاصة.

وتزينت مطاعم غزة واستراحاتها بعلامات الفرح والسعادة، فعُلِقَ البالون وحبال الزينة وكتبت العبارات على واجهات المحال التجارية؛ في محاولة لرسم الفرح على وجوه البائسين، وجلب الزبائن في هذا الموسم الذي قد يصلح شيئاً يسيراً مما أفسدته الأوضاع الاقتصادية المتردية.

في مقام تلاوة آيات الفرح والسعادة لا يسعنا إلا أن نستحضر كلمات الكاتب يسري الغول التي قال فيها “هنا غزة التي تستحق الحياة، لأن كل بذرة فيها تعشق هذه الحياة، فتنبت على الرغم من الماء الشحيح، وتكبر على الرغم من حصار الهواء والغازات السامة”.

يضيف الكاتب الغول في مقاله بعنوان غزة تحب الحياة أيضاً “غزة برجالها ونسائها يحبون الحياة أيضاً، لأنهم لا يتوقفون عن الدفع بأبنائهم لمزاولة الإبداع في شتى المجالات. ولعل أي زائر غريب لهذه الغزة يدرك ذلك كله مع أول وهلة؛ فغزة، بكنائسها ومساجدها، تعيش حالة انسجام الأصالة والإبداع. وغزة الموت والحياة تعيش حالة/ فعل الحياة الأزلي. وغزة المرض والصحة تمنحنا كل يوم بريق أمل في أنها لن تبقى على هذا الحال، وستصير يوماً ما تريد، لأن أهلها، باختصار، يعرفون الطريق جيداً نحو الحرية. فسلام على غزة، حين تشرق الشمس من مهدها، وحين تغيب في حضن البحر. سلام عليها، لأنها تمنحنا الحب كل دقيقة، وتمنحنا الحياة كل لحظة. سلام على غزة السلام”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق