تقاريرمرئية عين

#شاهد : تفاصيل .. من أسيرٍ مجهول

عين الإعلامية _ خاص
لم أجد تفاصيل ليتحدث عنها قلمي، وأنا حرٌ طليق، لم أمكث ولو لدقيقة واحدة، في قبرٍ بل زنزانة يدفن فيها الاحتلال الاسرائيلي الأسرى، لكنني سأتحدث وكأنني أحد الأسرى، وقد وضعت نفسي في غرفة مظلمة في منزلي، وليكن اسمي الأسير المجهول.
كيف حالكم أيها الأحياء؟
نحن هنا إخوانكم الأسرى، نسمع لأصواتكم، لسنا ببعيدين عنكم، فنحن ما زلنا أحياء، نبعد عنكم مسافة شعاع شمسٍ نفتقده مع إشراقة الصباح، أو نفحات هواء من بين شجر زيتون نابلس، أو أننا نبعد عندكم بقدر حبات المطر التي نفتقد برودتها في حر الزنزانة صيفاً، كيف هو بحر غزة وأهلها؟، هل لا زلتم تقيمون طعام الفطور بين ثنايا جبال الضفة؟، كعك القدس، هل هو بين صحونكم يزين الفطور مع بعضٍ من ليمون يافا؟
أتشعرون بنا؟
نحن هنا بينكم، نعيش بين أربع جدران، وبابٌ يفتحه ويغلقه سجانٌ يراقب همساتنا، نتنفس شيئاً من الحرية بسماع أصواتكم عبر المذياع، نتعايش شيئاً من فرحكم برغم الحزن الذي لا يغادرنا، إننا نعيش في قبور، مقيدين بالقهر، أكتب لكم شيئاً من حياتي، وأعلم أنني لن أصف لكم حياتي هنا في الزنزانة، ما هذا الصوت؟، إنه حقدٌ أسود، لقد اقتحموا السجن، إنني لا أستطيع الكتابة، لقد اختنقت بالغاز الذي رشوه من أسفل بوابة زنزانتي، أعتذر سأغادر الآن.
لقد عدت من جديد بعد يومين من الألم، لقد كسرت يدي اليمنى، ورأسي ينزف دماً بفعل هجوم وحدات القمع على زنزانتي، إنني لا أستطيع الكتابة، فجسدي يرتجف منذ يومين، لم يبقى لنا في الزنزانة لا ملابس ثقيلة ولا بطانيات تحتضننا من برد الشتاء، زميلي في الزنزانة المجاورة أتسمعون صارخه؟، إنه يصرخ دماً، فهو مضربٌ عن الطعام وقد أكل الملح لحم جسده، لا أعلم ماذا أفعل له سوى أن أواسيه مع منتصف الليل، حيث نلهج سويةً بالدعاء، فالله وحده يعلم بما نعاني.
كيف حال أيامكم وأعيادكم؟
علمت أن أول أمس كان الأول من رمضان، حيث رأيت هلال القمر من شباك الزنزانة، كنت حينها أدعوا لكم بالفرج، أرجوكم ألا تنسونا من دعائكم لنا، لقد عميت أبصارنا مع ضوء حراس السجن، حيث في عتمة الليل نجد أضواء شديدة تقتحم أحلامنا، ها قد حل العيد، وأنتظر من أمي أن ترسل لي شيئاً من كعك العيد الذي أعدته برفقة نسوة القرية، يا لروعة طعمه!، أعتقد أن هذه العجوة من تمور أشجار أريحا، هل اشتريتم للأطفال كسوة العيد؟، هل اكتست شوارعكم بأضواء الزينة أم أنها كما سواد زنزانتي؟، لا أسمع تكبيراتكم للعيد، فهل لا زلتم على قيد الحياة؟!، أم أنني أصبت بفقدان السمع؟.
زوجتي/مخطوبتي كيف أنتِ؟
لقد أرسلت لكِ مع فراشات الربيع رسالة حب، فهل قرأتِهَا؟
أعلم أنها لم تصل بعد، فجدران السجن تقف حائلاً أمام كل شيء، لكنني لن أفتقد الحب، سأسامرك ليلاً بقلبي، فماذا لو أعددتِ كوباً من القهوة نتسامر قليلاً ونستذكر بعضاً من ذكرياتنا قبل أن يغيبني السجن عنكِ، محبوبتي كوني بخير، فلن يطول غيابي، هذا ظني بربي، ولا تنسيني من الدعاء، فما الحب إلا دعاء.
لقد أطلت عليكم الحديث عن حياتي هنا في المقبرة، لكنني أحبكم وأحب أن تسمعوا شيئاً عني، هنا حيث نمرض ونموت ولا أحد يعلم بنا، نحلم بأن نجلس لو لساعة واحدة معكم، لم ننساكم فدعاؤنا يحتضنكم، أرجوكم أن لا تنسونا من الدعاء، أرجوكم أن لا تنسونا من الدعاء، أرجوكم أن لا تنسونا من الدعاء.
أخوكم الأسير المجهول…
نص : علي أكرم أبو شنب ، مونتاج : أحمد الفرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق