غير مصنف

مفهوم البطولة

عين الإعلامية – بقلم الكاتب : أ. عز الدين المصري

في كل لحظة من حولك، وعلى الرغم من حالة الانتهاك والامتهان، التى وصلت القاع، تسمع صفة البطل تطلق على من هب ودب .. كلنا أبطال ولا يوجد أحد رعاع .. الرئيس البطل .. القائد البطل .. الشهيد البطل .. الاسير البطل .. الجريح البطل .. بطل الحرب .. بطل السلام .. بطل المقاومة … الخ.
.. فهل البطل هو السياسي الملهم أم القائد العسكري الصنديد .. أم الفقهاء والعلماء .. أم الشعراء والادباء ؟ وما المعنى الحقيقي لكلمة البطل؟ ما هو المعنى الغير الموضوعي الذي تحتويه لكل واحد منا؟ هل هناك أبطال مختلفون أو الكل يتوافق مع نفس المفهوم مع متغيرات قابلة للتبديل؟
قبل سنوات طويلة شاهدت فيلما لا زال دوما يطرق مخيلتي ويثير داخلي العديد من التساؤلات وهو فيلم ( القلب الشجاع ) للمثل الامريكي ميل جيبسون الذي جسد شخصية البطل الذي استطاع تشكيل شعب مشتت لا يملك عدة ولا عتادا ولا سلاح له الا الشعور بالظلم والقهر من المستبد الغازي وبدأت رحلة البحث عن مكوناته وهويته في الفلسفة الانسانية وكان جيبسون هو الملهم والقائد البطل في ملكوت هذا البحث الجميل . وكلما عاودتني الذكرى قفز الى ذهني مفهوم البطل .. من هو هذا البطل الذي يبعثه الله على رأس كل مئة عام ليجدد للناس دينهم وحياتهم كما في الحديث الشريف؟
ليس هناك تعريف شامل ومتفق عليه للبطل والبطولة وإن اختلف الدارسون في تعريفهما فإنهم يتفقون على أن البطل إنسان متميز يرى ما لا يراه الآخرون ويتمتع بوعي عميق وإدراك دقيق لما يحيط به وبمجتمعه، وهدفه يسمو على حاجاته ورغباته، ويمتلك قدر كبير من القيم والأخلاق والرغبة الجامحة في مساعدة الآخرين.
ومن الناحية اللغوية تعرف البطولة بانها تلك الصفة التي يتصف بها قلة من البشر الذين يجمعون مكارم الأخلاق والإباء والشجاعة . وقد تحدث الفيلسوف الرائد ابن رشد في كتابه ” تلخيص السياسة ” عن فكرة البطل وجعلها محورا أساسيا لحركة التاريخ والمجتمع .. وقد اعتبر البطل هو ذلك الشخص الذي تكون له قدرة على الجهاد وقدرة على الاجتهاد .
لذلك يجب على البطل أن يكون واضحا , وأنه لكي يكون بطلا كما ينبغي : عليه أن يقدُم, ولو بعمل أو مبادرة و في توقيت دقيق, مصلحة الآخرين على مصلحته الذاتية. وبهذا, بطريقة عالمية, الأبطال محبوبون عند الأطفال, و بدورهم أكثر تأثرا لأن حالتهم التطورية هي اسفنجة تمتص كل نماذج السلوك التي يجدوها جذابة.
ومع موجة الأحداث العاصفة ، والحروب الكاسحة، ينبري السياسيون والمحللون لرفع موجة البطولة .. المواطنون تحت القصف والدمار أبطال .. يمنحهم القادة بطولة الموت ، وبموتهم سننتصر .. فكيف للمواطن الغلبان المقهور، والذي يموت رغم أنفه أن يكون بطلا ؟! وقد علق بالصدفة في ساحة المعركة .. الناس تفر للنجاة بأروحها وفي الخلف يبقى الضعفاء ممن لم تتوفر لهم القوة للفرا، ولا أحد يهب لنجدتهم فيموتون ويمنحون وسام البطولة .. ومن فر ونجا في ملجأه يسمع عبر كل منابر الدعاية الجوفاء ” اننا انتصرنا ” .. ” صامدون هنا رغم هذا الدمار العظيم ” .. الجبهة الداخلية قوية “.
وهكذا تجري طقوس المدح والمنح والذبح وتبادل الورديات .. القادة المحروسون يصعدون والابطال – رغم انوفهم – يسحقون . حين يشعر القادة بالخطر يبدأون بالتمجيد والثناء لقدرة صمود المغلوبين على امرهم ضحايا المجازر العسكرية، والحروب السياسية، وصراع المصالح الخاصة .. والمواطن المذبوح – ربما – مع عبرات المدح والبطولة لن يشعر بانه ترك لعذاباته والموت الذي يوزع بالمجان كما البطولات الممنوحة لقاتليه .
وعلى ظهور الرعايا الضحايا الموسومين – زورا – بالأبطال ، ومن فوق الدمار المتراكم تتعزز بطولة القادة والساسة الابطال زورا أيضا ..
لسنا بحاجة الى بطولات زائفة .. نحن المقهورون المعذبون بحاجة الى أبطال حقيقيين يتمتعون بالجرأة والمسؤولية في الزمن الموبوء المفعم بالنمطيات المغلوطة فنموذج البطولة الممسوخ جعل بعض النماذج المأفونة أو المتهورة .. تتبوأ في عقول مسحجيها – بل في عقول أغلبنا – مكان البطولة .. وذلك لندرة الابطال الحقيقيين في ظل أزماتنا الاخلاقية المتردية وانعدام السلوك الاخلاقي الانساني في التعامل مع المواطن والوطن .
فيا ابطالنا المغاوير .. أيتها الفقاعات البطولية الزائفة .. أيها البطل الرئيس .. أيها البطل القائد .. ايها البطل الامين العام .. نحن اليوم تراكمت على كواهلنا محن الدنيا كلها ونحن بحاجة لأن تثبتوا لنا بطولاتكم بشكل استثنائي في إذكاء روح الامل والكرامة .. بحاجة للقرار الجريء والصائب في الزمن الصحيح .. وليس لطعناتكم القاتلة والمميتة التى توجهونها لصدورنا وصدور الوطن .. نحن اليوم بحاجة لأبطال تكون لديهم الرؤية الواضحة والارادة الحقيقية لصناعة التغيير وكتابة تاريخ مشرف لقادم أجيالنا .. ولسنا بحاجة لألقاب وأوسمه يوزعها من يهتفون باسمكم ويمجدونكم طمعا في القربي وحسن العطايا .. سيدي الرئيس ستكون بطلا لو حفظت العرض والارض ورحمت الضعفاء ولم تكن أنت والدهر عليهم .. سيدي القائد الصنديد الحرب لا تصنعك بطلا، وانت ترتفع على أشلائنا بعباراتك الرنانة، ولن تحرر القدس بجيش من البؤساء والجوعى .. بطولتك الحقيقية في الحفاظ على أرواحنا وتعزيز كرامتنا .. فالفقر كفر .. والفقر امتهان للكرامة وهو أم الموبقات جمعيا .. فارحم ضعفنا واحفظ كرامتنا فلسنا مثلك من أصحاب العزائم، أطعم جائعنا .. أكس عرايانا .. أمن خائفنا .. لنستطيع أن نقول لك والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك . فهل من بطل رشيد يرحمكم الله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق